السيد محمد الصدر

628

تاريخ الغيبة الصغرى

أهم أجزاء النهضة الأوروبية فكريا واجتماعيا واقتصاديا وصناعيا . . . فهي تحمل نفس نقاط القوة والضعف لتلك النهضة ، كما تحمل نفس المبررات التخطيطية التي تحملها تلك النهضة ، والتي سبق أن ذكرناها مفصلا . ولكنها - على أي حال - تحتوي على مزيتين تشاركان مشاركة إيجابية في التخطيط العام : المزية الأولى : انها تحتوي لأول مرة في البشرية المعروفة « 1 » على الشعور الاجتماعي العام الواعي المنظم بالظلم والحيف . . . وانه لا يزول إلا بالثورة الدموية ، التي تجتث الظالمين من جذورهم ، لكي يتسنى البدء بالبناء الاجتماعي من جديد . وهذه الفكرة ، بهذه الصياغة ، أمر صحيح تماما . وقد طبقته الأنظمة المختلفة ، كل من وجهة نظره ، في ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية وروسيا الشيوعية ، وغيرها من البلدان في خارج أوروبا كالجزائر وكوبا . وستكون هذه الفكرة ، بعد فهمها من زاوية تخطيطية ، مطبقة في أول تأسيس الدولة العالمية ، تحت قيادة القائد المهدي عليه السلام . المزية الثانية : ان الثورة الفرنسية حاولت لأول مرة - في أوروبا - ان تنظر إلى البشرية نظرة شاملة ، فتقرن الثورة بإعلان حقوق الانسان والمواطن . فتعترف فيه للمظلومين ببعض الحقوق الرئيسية في نظرها ، فيبدو بوضوح أن الثورة لا يمكن أن تكون ذات مضمون بدون نظام واع جديد ، وبدون أن يكون هذا النظام ذا صيغة بشرية شاملة . ولا أقصد بذلك الاعتراف بصحة ما ورد فيه ، أو أن واضعيه قد نجحوا في إعطائه الصيغة العادلة . . . كيف وقد ناقشنا ذلك وأبرزنا زيفه بوضوح في كتابنا « نظرات إسلامية في إعلان حقوق الانسان » . وإنما المقصود فهم الفكرة العامة من عملهم ، وان الرأي العام العالمي سوف يرى ضرورة اقتران الثورة الناجحة بقانون واع جديد ، لكي تكون ناجحة فكريا ، كما تكون ناجحة عسكريا . . . الأمر الذي سيكون بنفسه مطبقا في الدولة العالمية .

--> ( 1 ) كانت هذه الفكرة في صدر الاسلام مطبقة عمليا ، ولكنها غير مفهومة للعموم لعدم استيعاب الذهنية العامة لها . وأما الثورة الانكليزية فقد كانت بيضاء غير دموية فهي لا تنطبق على هذه الفكرة تماما . وأما الثورة الأمريكية فقد كانت أقل تنظيما وأضعف في الايديولوجية الفكرية من الثورة الفرنسية .